في الوقت الذي كان ينتظر فيه سكان مدينة القليعة افتتاح المركب الثقافي الجديد باعتباره مكسباً تنموياً طال انتظاره، برزت في المقابل أصوات تحاول التشويش على هذا المشروع وتقديمه للرأي العام في صورة سلبية، وكأن افتتاح فضاء ثقافي بهذا الحجم أصبح مدعاة للانتقاد بدل أن يكون مناسبة للاعتزاز بما تحقق لفائدة المدينة وساكنتها.
المركب الثقافي بالقليعة ليس مشروعاً عادياً، بل هو منشأة ثقافية متكاملة شُيدت على مساحة تتجاوز 2800 متر مربع، بكلفة مالية تقارب 17 مليون درهم، في إطار شراكة جمعت بين وزارة الداخلية، والجماعة الترابية القليعة، وجهة سوس ماسة، ومجلس عمالة إنزكان أيت ملول، بهدف توفير فضاء يليق بالحركية الثقافية والجمعوية التي تعرفها المدينة.
ويضم هذا الصرح الثقافي مجموعة من المرافق الحديثة، في مقدمتها مسرح يتسع لـ510 مقاعد، إلى جانب مكتبة ورقية، وقاعة للإعلاميات، وقاعة مخصصة لورشات الرسم، وقاعة للمعارض، وأربع غرف للكواليس، وقاعة للاجتماعات، وثمانية مكاتب إدارية، وقاعة لاجتماعات اللجان، إضافة إلى قاعة متعددة الاستعمالات بطاقة استيعابية تصل إلى 70 مقعداً.
وتزداد أهمية هذا المشروع بالنظر إلى النسيج الجمعوي النشيط بمدينة القليعة، والذي يضم أكثر من 300 جمعية تنشط في مجالات الثقافة والفن والرياضة والتنمية والعمل الاجتماعي، وهي جمعيات ظلت لسنوات تعاني من محدودية الفضاءات العمومية المخصصة لأنشطتها، قبل أن يوفر هذا المركب إمكانيات جديدة لاحتضان الندوات والتكوينات والعروض المسرحية والمعارض والأنشطة الإبداعية.
ومن الطبيعي أن تكون هناك ملاحظات أو مطالب مرتبطة بطريقة تدبير هذا المرفق أو كيفية الاستفادة منه، فذلك حق مشروع، غير أن تحويل افتتاح مشروع بهذا الحجم إلى مناسبة للتشكيك أو التقليل من أهميته لا يخدم المصلحة العامة، بل يحجب القيمة الحقيقية لاستثمار عمومي أنجز لخدمة الساكنة والأجيال القادمة.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في مهاجمة المشروع، وإنما في ضمان حسن تدبيره، ووضع نظام شفاف وعادل للاستفادة من خدماته، وصيانة مرافقه، حتى يحقق الأهداف التي أنشئ من أجلها، ويصبح فضاءً مفتوحاً أمام جميع الفاعلين الثقافيين والجمعويين دون إقصاء أو تمييز.
فالمركب الثقافي بالقليعة ليس ملكاً لجهة أو شخص، وإنما هو ملك لجميع المواطنين، ومن حق الساكنة أن تفتخر بهذا المنجز، وأن تحرص في الوقت نفسه على استثماره بالشكل الذي يجعل منه مركزاً للإشعاع الثقافي والفني بالمدينة، بعيداً عن أي حسابات ضيقة أو محاولات لتبخيس المشاريع التنموية التي من شأنها الارتقاء بجودة الحياة وتعزيز المشهد الثقافي المحلي.









