في السياسة لا توجد صداقات دائمة ولا مواقع مضمونة، بل توجد حسابات انتخابية وموازين قوى تتغير باستمرار. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة قرار حزب التجمع الوطني للأحرار الدفع بمحمد السلاسي كوجه انتخابي بارز خلال الاستحقاقات التشريعية المقبلة، في خطوة اعتبرها متابعون بمثابة إعلان غير مباشر عن نهاية مرحلة سياسية ارتبطت لسنوات باسم البرلماني الحالي بوشتى بوصوف.
القرار، وإن كان يدخل ضمن الصلاحيات التنظيمية للأحزاب السياسية في اختيار مرشحيها، إلا أنه يعكس في العمق تحولات مهمة داخل الحزب بإقليم تاونات، حيث يبدو أن القيادة الحزبية لم تعد تعتمد فقط على معيار الأقدمية أو التاريخ الانتخابي، بل أصبحت تركز بشكل أكبر على القدرة على الحشد والتعبئة واستقطاب أصوات جديدة.
قراءة في أسباب التحول
أول ما يلفت الانتباه في هذا الاختيار هو أن حزب الأحرار وجد نفسه أمام معادلة صعبة: الاستمرار بنفس الوجوه التي خاضت الاستحقاقات السابقة، أو تقديم شخصية جديدة نسبياً قادرة على إعطاء نفس جديد للحزب محلياً.
ويرى متابعون للشأن السياسي بالإقليم أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعاً في الحضور السياسي والإشعاع الميداني لبعض الوجوه التقليدية، مقابل بروز فاعلين جدد استطاعوا بناء علاقات واسعة مع المنتخبين والفعاليات المحلية والجمعوية، وهو ما جعل محمد السلاسي يراكم نقاطاً مهمة داخل دوائر القرار الحزبي.
تقييم الحصيلة قبل منح التزكية
لا يمكن فصل أي قرار حزبي عن تقييم الحصيلة السابقة. فالأحزاب التي تستعد لخوض الانتخابات تنطلق عادة من سؤال مركزي: هل المرشح السابق قادر على الحفاظ على نفس الرصيد الانتخابي أم أن الحاجة أصبحت ملحة للتغيير؟
في حالة تاونات، يبدو أن الحزب اختار الإجابة عن هذا السؤال عبر الرهان على شخصية يعتبرها أكثر قدرة على استعادة المبادرة السياسية ومواجهة المنافسة المتزايدة التي تفرضها الأحزاب الأخرى داخل الدائرة.
السلاسي.. مرشح التوافق داخل الحزب
من بين العوامل التي رجحت كفة محمد السلاسي، قدرته على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف مكونات الحزب محلياً وإقليمياً. فالرجل لم يدخل في صراعات علنية داخلية، كما حافظ على صورة السياسي القريب من المنتخبين والفاعلين المحليين، وهو ما وفر له هامشاً مهماً من القبول داخل التنظيم.
كما أن الحزب، الذي يرفع شعار الكفاءات والتجديد، قد يكون وجد في السلاسي نموذجاً ينسجم مع هذه الرؤية، خصوصاً في ظل الرغبة في تقديم وجوه قادرة على مخاطبة فئات جديدة من الناخبين.
ماذا عن بوشتى بوصوف؟
بعيداً عن لغة الانتصار والهزيمة، لا يمكن إنكار أن بوشتى بوصوف بصم على حضور سياسي وانتخابي لسنوات داخل دائرة تاونات. غير أن التحولات التي تعرفها الخريطة السياسية تجعل الأحزاب في كثير من الأحيان تتخذ قرارات صعبة قد لا ترتبط بالأشخاص بقدر ما ترتبط بقراءة المرحلة المقبلة.
ويبقى السؤال المطروح: هل سيستوعب بوصوف هذا التحول ويدعم مرشح حزبه الجديد؟ أم أن المشهد الانتخابي سيفرز تحالفات ومواقف جديدة قد تعيد رسم موازين القوى داخل الدائرة؟
معركة انتخابية مفتوحة
المؤكد أن تزكية محمد السلاسي لا تعني حسم المعركة مسبقاً، بل تمثل فقط بداية سباق انتخابي ستكون فيه كل التفاصيل مؤثرة. فالدائرة الانتخابية بتاونات معروفة بتعقيداتها السياسية وتشابك الحسابات الحزبية والعائلية والقبلية، ما يجعل أي رهان انتخابي مفتوحاً على جميع الاحتمالات.
وبين من يعتبر أن الحزب اتخذ قراراً شجاعاً بالتجديد، ومن يرى أنه تخلّى عن أحد أبرز وجوهه التاريخية، يبقى الناخب التاوناتي هو الحكم النهائي الذي سيمنح كلمته يوم الاقتراع.









