الحسين وايشو
عرفت المسلسلات المغربية الناطقة بالأمازيغية خلال السنوات الأخيرة حضورًا لافتًا في الموسم الرمضاني، ليس فقط من حيث الكم، بل من حيث النوع أيضًا. فقد نجحت هذه الأعمال، في الغالب، في شق طريق خاص بها، مختلف عن السائد في الدراما الناطقة بالدارجة، من خلال حفاظها على نوع من التوازن الدقيق بين الترفيه واحترام الخصوصية الثقافية والاجتماعية للأسرة الأمازيغية المحافظة. هذا التوازن لم يكن أمرًا سهلًا، لكنه تحوّل مع الزمن إلى ما يشبه “الميثاق غير المعلن” بين صناع الدراما الأمازيغية والجمهور، حيث تُقدَّم قصص قريبة من الواقع، دون صدمات بصرية أو سلوكية قد تُفهم على أنها استفزاز أو قطيعة مع القيم الجماعية.
طيلة مواسم رمضانية متتالية، حافظت الأعمال الأمازيغية على ما يمكن تسميته “الخط الأحمر الناعم”، فلا هي سقطت في الابتذال، ولا هي انسحبت إلى خطاب وعظي ممل. كانت هناك دائمًا مساحة للضحك، وللنقد الاجتماعي، ولطرح الإشكالات اليومية، لكن ضمن قالب يراعي الحياء العام ويحترم ما يُعتبر تابوهات داخل المخيال الجماعي الأمازيغي. وإن كان النمط السائد من ناحية الحيز الزماني والمكاني للقصة حبيس الماضي والمجال القروي والجبلي. ورغم كل ما يثار، تشكّلت لدى المتلقي صورة نمطية إيجابية عن الدراما الأمازيغية باعتبارها دراما “نظيفة” عائلية، يمكن متابعتها دون حرج داخل البيوت.
غير أن هذا الموسم الرمضاني حمل معه مفاجأة غير متوقعة، تمثلت في مسلسل “كريمة د إيستيس” الذي يُعرض على قناة تامزيغت (الثامنة). فقد تضمّن العمل مشاهد وتصرفات لم يألفها الجمهور في الدراما الأمازيغية، من بينها مشهد قبلة، ومشهد آخر يُظهر أحد الشخصيات وهو يتبول محاذاة جدار، هذه التفاصيل، رغم بساطتها الظاهرية، فجّرت موجة واسعة من الجدل، وفتحت نقاشًا محتدمًا حول حدود الجرأة، ومفهوم “الخط الأحمر” في الدراما الأمازيغية.
وانقسم الراي العام على منصات التواصل، بين ثلاثة آراء، بين رأي حاد، اعتبر أن ما وقع يُعد خروجًا صريحًا عن تابوهات المجتمع الأمازيغي، وتجاوزًا لما يُعتبر “أخلاقيًا” داخل الإنتاجات الفنية الموجّهة للأسرة. هذا التيار يرى أن الدراما الأمازيغية ليست مجرد مرآة للواقع، بل هي أيضًا حارس رمزي للقيم، وأن إدخال مثل هذه التصرفات، حتى لو كانت موجودة في الحياة اليومية، يُعد تطبيعًا بصريًا مع سلوكيات لا يرغب المجتمع في رؤيتها على الشاشة، خصوصًا في شهر رمضان الذي يحمل حمولة دينية وأخلاقية خاصة.
في مقابل هذا الراي، ثمة راي ثان، ينتمي إلى الضفة الأخرى تمامًا، حيث يدافع عن هذه الاختيارات باعتبارها تعبيرًا صادقًا عن الواقع المعيش. فالتقبيل على الخد، أو التبول واقفًا، ليست اختراعات درامية، بل ممارسات يومية موجودة في المجتمع، ولا يمكن الاستمرار في تجاهلها باسم “الطابو”. هذا التيار يرى أن الفن، إن لم يكن جريئًا في نقل الواقع كما هو، فإنه يتحول إلى صورة مُجمَّلة ومزيّفة، وأن الصدمة أحيانًا ضرورية لكسر النفاق الاجتماعي وفتح أعين المتلقي على تناقضاته.
لكن بين هذين الموقفين المتضادين، يبرز رأي ثالث، أكثر هدوءًا وعمقًا، وهو الرأي الوسطي الذي ينظر الى الامر من زاوية نقدية متسائلة. هذا الرأي لا يُمجّد هذه المشاهد ولا يُشيطنها، بل ينظر إليها باعتبارها لحظة انتقالية في مسار الدراما الأمازيغية. نعم، هذه التصرفات تحدث في الواقع، ونعم، ظهورها على الشاشة كان صادمًا للبعض، لكن الأهم من ذلك هو أنها فتحت نقاشًا حقيقيًا حول سؤال جوهري: ماذا نريد من الصناعة السينمائية والدرامية الأمازيغية؟ هل نريدها أن تكون مرآة عاكسة للواقع، أم أداة نقدية تنتقي وتُعيد صياغة هذا الواقع؟
إن أهمية ما وقع لا تكمن في القبلة ولا في المشهد الآخر بحد ذاته، بل في النقاش الذي أطلقه. فالصناعات الثقافية لا تتطور في الفراغ، بل عبر الصدام، والأسئلة، وإعادة التفاوض حول الحدود. ما نحتاجه اليوم ليس أحكامًا أخلاقية سريعة، بل نقاشًا جماعيًا هادئًا يشارك فيه الفنانون، والنقاد، والجمهور، حول شكل الدراما التي نريدها، وحدود الجرأة المقبولة، ودور الفن بين الترفيه والتربية والنقد الاجتماعي.
يمكن القول، دون تهويل ولا تهوين، إننا أمام لحظة فارقة في تاريخ الدراما الأمازيغية. سواء اتفقنا أو اختلفنا مع المسلسل، فإنه سجّل سابقة ستظل حاضرة في الذاكرة: ربما هي أول قبلة، وأول “بولة”، في تاريخ الدراما أو السينما الأمازيغية. وهذه الحقيقة، في حد ذاتها، ليست إدانة ولا إنجازًا، بل علامة على أن هذا الفن بدأ يطرح على نفسه أسئلة جديدة… وأسئلة من هذا النوع، مهما كانت مزعجة، هي دائمًا بداية التحول.









