مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يبرز على الساحة عدد من الوجوه التي تعلن نيتها خوض غمار المنافسة، وترفع شعارات التغيير والإصلاح وخدمة المواطنين. غير أن التجربة السياسية تكشف أن بعض هذه الترشيحات لا تتجاوز حدود المناورة، إذ لا يكون الهدف منها الوصول إلى المؤسسات المنتخبة أو تقديم مشروع سياسي جاد، بقدر ما تكون وسيلة لفتح باب التفاوض والمساومة مع مرشحين أكثر حظوظا.
وتتكرر هذه الظاهرة في عدد من الدوائر الانتخابية، حيث يختفي بعض من كانوا يملؤون منصات التواصل الاجتماعي بخطابات حماسية وانتقادات لاذعة بمجرد اقتراب موعد الحسم في الترشيحات، بينما يختار آخرون الانسحاب في صمت بعد التوصل إلى تفاهمات أو تحقيق مصالح خاصة، في حين يواصل البعض الآخر رفع سقف الخطاب إلى أن يحصل على المقابل الذي ينتظره.
هذا السلوك يطرح تساؤلات جدية حول مصداقية بعض الخطابات التي ترفع شعار النضال وخدمة الصالح العام، ويحول العمل السياسي من فضاء للتنافس حول البرامج والأفكار إلى مجال للمساومات والمصالح الضيقة، وهو ما ينعكس سلبا على ثقة المواطنين في العملية الانتخابية برمتها.
ولا يقتصر الأمر على الأحزاب أو المرشحين الكبار، بل إن بعض من يقدمون أنفسهم كبديل جديد قد يكونون أكثر خطورة عندما يستغلون طموحات المواطنين ورغبتهم في التغيير لتحقيق مكاسب شخصية، قبل أن ينسحبوا من المشهد بمجرد تحقيق أهدافهم.
وفي إقليم تاونات، كما في مناطق أخرى من المملكة، يفرض اقتراب الانتخابات على الناخبين قراءة المشهد بعين ناقدة، والتمييز بين المرشح الذي يمتلك مشروعا واضحا ويواصل حضوره الميداني، وبين من يظهر فقط في المواسم الانتخابية، أو يجعل من الترشح وسيلة للضغط والابتزاز السياسي.
إن ترسيخ الممارسة الديمقراطية لا يمر فقط عبر تنظيم الانتخابات، بل أيضا عبر تعزيز ثقافة المساءلة والشفافية، حتى يصبح التنافس مبنيا على الكفاءة والبرامج، لا على الصفقات والانسحابات المفاجئة التي تفرغ العملية الانتخابية من مضمونها الحقيقي.









