يشكل مشروع تعبئة مياه عين بوعادل بإقليم تاونات أحد المشاريع الاستثمارية التي يُرتقب أن تساهم في تعزيز الدينامية الاقتصادية والاجتماعية بالمنطقة، من خلال تثمين الموارد المحلية، وإحداث فرص الشغل، وتنشيط الأنشطة الاقتصادية والخدماتية المرتبطة بالوحدة الصناعية، في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى استثمارات منتجة قادرة على خلق قيمة مضافة لفائدة الساكنة المحلية.
ويعيد هذا المشروع إلى الواجهة النقاش حول كيفية تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار، والحفاظ على الثروة المائية، وصون الحقوق المكتسبة، بما يضمن استدامة الموارد الطبيعية وتحقيق تنمية ترابية تعود بالنفع على جماعة بوعادل وساكنتها.
صبيب محدود وآليات للمراقبة والتتبع
وفق المعطيات المقدمة بشأن المشروع ومقتضيات عقد الامتياز، يستند استغلال مياه المنبع إلى دراسات تقنية وقانونية تروم تحديد الكميات المسموح بسحبها، مع إخضاع العملية لضوابط ترمي إلى ضمان الاستغلال العقلاني للمورد المائي.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن الصبيب المرخص به يمثل حوالي 3,38 في المائة من تدفق منبع بوعادل، الذي يقدر بنحو 300 لتر في الثانية. كما ينص الإطار المنظم للاستغلال على اعتماد آليات للمراقبة والتتبع، من بينها تركيب عدادين حجميين لقياس الكميات المسحوبة، والتصريح الدوري بالقراءات لدى وكالة الحوض المائي لسبو، فضلاً عن إمكانية تطبيق الجزاءات في حالة الإخلال بالالتزامات التعاقدية.
وتكتسي هذه الإجراءات أهمية خاصة بالنظر إلى ضرورة ضمان الشفافية في تدبير الموارد المائية، والتحقق من احترام الكميات المرخص بها، والتأكد من عدم تأثير الاستغلال الصناعي على التوازنات البيئية أو على الحصص المخصصة للري والاستعمالات المعيشية للساكنة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التحقق من المعطيات المتعلقة بحجم المياه التي كانت تضيع دون تثمين، والتي تشير التقديرات الواردة بشأن المشروع إلى أنها تقارب 90 في المائة، وذلك بالاستناد إلى الدراسات التقنية والوثائق الرسمية ذات الصلة، بما يسمح بتقييم الأثر الفعلي للمشروع على المورد المائي.
حماية حقوق ذوي الحقوق وتدبير فترات الخصاص المائي
من بين النقاط الأساسية التي يثيرها المشروع مسألة توزيع مياه المنبع ومدى تأثير الاستغلال الصناعي على الحقوق القائمة. ووفق المعطيات المقدمة، فإن المياه المخصصة للشركة صاحبة المشروع ستُقتطع من حصة الملك العمومي المائي، وليس من الحصة المخصصة لذوي الحقوق، وهو ما يستدعي التأكد منه من خلال عقد الامتياز والوثائق الرسمية المنظمة لتوزيع المياه.
وفي المقابل، تتضمن المعطيات المتعلقة بالعقد مقتضيات خاصة بتدبير فترات الخصاص المائي، خاصة في حالات الجفاف أو الاستغلال المفرط أو الظروف الاستثنائية، حيث يتعين على المستفيد من الامتياز التقيد بالقرارات والتدابير التي تتخذها وكالة الحوض المائي لسبو وفق التشريعات الجاري بها العمل.
كما تشير المعطيات الواردة إلى تقييد عمليات السحب خلال فترات الخصاص المائي، مع التنصيص على سقف لا يتجاوز 2 في المائة من الصبيب الإجمالي للمنبع في الحالات المعنية، وهو ما يجعل الاطلاع على الصياغة الدقيقة للعقد أمراً ضرورياً لفهم شروط تطبيق هذا المقتضى وحدود الاستغلال المسموح به.
وتبرز هذه الضوابط أهمية اعتماد تدبير مرن للموارد المائية، يأخذ بعين الاعتبار التغيرات المناخية وتراجع التساقطات، ويضمن عدم التعامل مع الصبيب المرخص به باعتباره حقاً ثابتاً في جميع الظروف، بصرف النظر عن الوضعية الهيدرولوجية للمنبع.
فرص الشغل وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي
بعيداً عن الجوانب التقنية والقانونية المرتبطة باستغلال المياه، يفتح المشروع آفاقاً واعدة أمام التنمية الاقتصادية والاجتماعية بجماعة بوعادل، بالنظر إلى ما يمكن أن يوفره من فرص للشغل المباشر وغير المباشر، وما قد يترتب عنه من تنشيط للأنشطة التجارية والخدماتية المرتبطة بالإنتاج والتوزيع.
ومن المنتظر أن تتيح الوحدة الصناعية فرصاً مهنية لفائدة أبناء المنطقة، سواء في مجالات الإنتاج والتعبئة والتدبير والصيانة، أو في خدمات النقل واللوجستيك والتزويد والصيانة التقنية، فضلاً عن إمكانية استفادة المقاولات المحلية من الطلب المتزايد على مختلف مستلزمات الإنتاج والخدمات.
كما يمكن للمشروع أن يشكل رافعة لتعزيز جاذبية جماعة بوعادل للاستثمار، وتشجيع مبادرات اقتصادية جديدة، شريطة إرساء التزامات واضحة بشأن إعطاء الأولوية للكفاءات المحلية في التشغيل، وتوفير فرص التكوين المهني، والانفتاح على المقاولات ومقدمي الخدمات بالمنطقة.
ومن شأن التنسيق بين الشركة والجماعة والفاعلين المحليين أن يعزز الأثر الاجتماعي للمشروع، ويحول الاستثمار الصناعي إلى فرصة حقيقية لتحسين دخل الأسر، وتوسيع قاعدة الأنشطة الاقتصادية، ودعم الإدماج المهني للشباب.
تكامل مرتقب مع تأهيل منتجع بوعادل
تزداد أهمية الرهان التنموي للمشروع في ظل الآفاق المرتبطة بتأهيل منتجع بوعادل، باعتباره أحد المؤهلات الطبيعية والسياحية التي تزخر بها المنطقة. فالتكامل بين الاستثمار الصناعي وتطوير العرض السياحي يمكن أن يساهم في تنويع الأنشطة الاقتصادية، وخلق فرص إضافية للشغل، وتحسين جاذبية المنطقة لدى المستثمرين والزوار.
غير أن تحقيق هذه النتائج يظل رهيناً باحترام المعايير البيئية، وضمان التدبير المستدام للموارد المائية، وربط الاستثمارات الجديدة بحاجيات الساكنة وأولويات التنمية المحلية.
كما أن الأثر المالي للمشروع على ميزانية الجماعة، ومدى مساهمته في تحسين المداخيل المحلية، يقتضيان توضيح الإطار القانوني والجبائي المنظم لهذه العلاقة، حتى تكون الفوائد المنتظرة قابلة للتقييم والقياس.
التواصل والشفافية مدخل لتعزيز ثقة الساكنة
في ظل النقاش الدائر حول مشروع تعبئة مياه عين بوعادل، تبرز الحاجة إلى تعزيز التواصل مع الساكنة وتقديم توضيحات دقيقة بشأن طبيعة المشروع، والكميات المرخص باستغلالها، ومصدر المياه المخصصة للوحدة الصناعية، والضمانات المتعلقة بحماية حقوق ذوي الحقوق، والتدابير المعتمدة خلال فترات الخصاص المائي.
كما أن نشر المعطيات التقنية الأساسية، وإتاحة الوثائق ذات الصلة وفق الضوابط القانونية، وتنظيم لقاءات تواصلية بمشاركة الجهات المختصة والمنتخبين وممثلي الساكنة، من شأنها المساهمة في تبديد المخاوف، وتصحيح المعلومات غير الدقيقة، وفتح المجال أمام نقاش عمومي مسؤول يستند إلى المعطيات الموثقة.
وفي المقابل، فإن تقييم المشروع ينبغي أن يقوم على الوقائع والوثائق الرسمية، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاتهامات غير المثبتة، مع مراعاة حق الساكنة في التعبير عن انشغالاتها بشأن الماء والبيئة ومستقبل المنطقة.
استثمار مسؤول في خدمة التنمية الترابية
إن مشروع تعبئة مياه عين بوعادل يطرح رهانات متداخلة، تجمع بين تثمين الموارد الطبيعية، وتشجيع الاستثمار المنتج، وحماية الحقوق المكتسبة، وضمان الاستدامة البيئية. وتظل جدواه الحقيقية مرتبطة بمدى احترام الالتزامات القانونية والتعاقدية، وفعالية آليات المراقبة، ووضوح المعطيات المتعلقة بتوزيع المياه، فضلاً عن حجم المنافع الاقتصادية والاجتماعية التي ستنعكس فعلياً على الساكنة.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح المشروع لا يتوقف على إنجاز الوحدة الصناعية وحده، بل يتطلب انخراط مختلف الأطراف، من سلطات مختصة ومنتخبين ومستثمرين وفعاليات مدنية وساكنة محلية، في إطار من الحوار والشفافية والمسؤولية المشتركة.









