عاد النقاش حول المال والسياسة إلى الواجهة بقوة مع تصاعد الحديث عن مرحلة محتملة لما بعد عزيز أخنوش داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، نقاش تغذّيه أرقام رسمية ثقيلة تكشف حجم الموارد التي راكمها الحزب خلال سنوات قيادته. فوفق معطيات صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، بلغت الموارد الإجمالية للحزب خلال سنة 2021 وحدها ما يفوق 122,7 مليون درهم، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ التمويل الحزبي بالمغرب، توزّع أساسًا بين دعم عمومي مخصص للحملات الانتخابية تجاوز 81,3 مليون درهم، ومساهمة الدولة في تغطية مصاريف التسيير قاربت 41,9 مليون درهم، إلى جانب حوالي 34,4 مليون درهم كاشتراكات ومساهمات منخرطين، إضافة إلى عائدات أخرى محدودة. في المقابل، صرّح الحزب بنفقات ناهزت 101,8 مليون درهم، خُصص الجزء الأكبر منها للحملات الانتخابية والتواصل والتنظيم، فيما أُعيد إلى خزينة الدولة ما يزيد عن 13,3 مليون درهم خلال سنتي 2021 و2022 بسبب عدم استعمال بعض اعتمادات الدعم أو عدم استكمال تبريرها محاسباتيًا.
هذه الأرقام، التي تضع التجمع الوطني للأحرار في صدارة الأحزاب من حيث الاستفادة من المال العام، ارتبطت زمنيًا وسياسيًا بمرحلة قيادة عزيز أخنوش، رجل الأعمال الذي قاد الحزب منذ 2016 وراكم خلال ولايته زخمًا تنظيميًا وإعلاميًا غير مسبوق، ما جعل الحزب يُقدَّم باعتباره نموذجًا لـ“الحزب القوي ماليًا”. غير أن هذا المعطى نفسه يطرح اليوم سؤالًا مركزيًا: هل قوة التجمع الوطني للأحرار نابعة من مؤسساته وقاعدته السياسية، أم من حجم الموارد التي توفرت له في ظل قيادة أخنوش؟ وهل سيتمكن الحزب من الحفاظ على نفس الحضور والتأثير في حال غادر زعيمه، أم أن مرحلة ما بعده ستكشف حدود حزب تضخم ماليًا أكثر مما ترسخ سياسيًا؟
ويذهب متتبعون للشأن الحزبي إلى أن الإشكال لا يكمن فقط في حجم الأموال، بل في طبيعة النقاش الذي يفرضه ذلك على الديمقراطية الداخلية وتكافؤ الفرص بين الأحزاب، خاصة حين يكون الجزء الأكبر من الموارد مصدره المال العام. فمرحلة ما بعد أخنوش، إن تحققت، لن تكون مجرد انتقال تنظيمي، بل اختبارًا حقيقيًا لمدى استقلال الحزب عن شخص أمينه العام، وقدرته على الاستمرار دون الارتكاز على شخصية واحدة أو إمكانيات مالية ضخمة. وبين سؤال “من صرف؟” و“كيف صُرف؟” و“ماذا بعد؟”، يجد حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه اليوم في قلب نقاش سياسي حاد، عنوانه العريض: هل نحن أمام حزب مؤسسات أم حزب مرحلة ومال؟









